صعوبات التعلّم .. ما ذا تعني؟
التعلّم عملية عصبية تحدث داخل الدماغ، وقد خلق الله بني البشر بأدمغة مختلفة في قدراتها وطريقة تعلّمها، وهو ما اصطلح عليه في المجال التربوي "الفروق الفردية في القدرات العقلية"، و"أساليب التعلّم" التي تؤخذ في الحسبان عند إعداد المناهج أو في الممارسة التربوية، مما يساعد في عملية تعلّم الطلبة على اختلاف قدراتهم وتنوّع أساليب تعلّمهم.
ولكن هناك فئة من الأطفال تواجه صعوبة في التعلّم رغم تمتّعها بقدرات عقلية متوسطة أو فوق المتوسّطة، ورغم تنويع المعلّمين في أساليبهم ووسائل تعليمهم كي توائم أساليب التعلّم لدى أفراد هذه الفئة، ورغم سلامة حواسهم البصرية والسمعية، ورغم محاولاتهم الجادّة للتعلّم، فما سبب ذلك؟
لقد حيرّت هذه الحالة الأطباء وعلماء النفس والتربية والاجتماع، فاندفعوا يبحثون عن أسبابها وخصائصها وطرق علاجها، وأطلقوا عليها تسميات ومصطلحات متعددة: الإعاقة الخفية! عمى الكلمة الخلقي! الإعاقة الإدراكية! القُصور الوظيفي الدماغي الطفيف! الدسلكسيا (أي صعوبة القراءة)!
كانت هذه التسميات لا تروق لأولياء الأمور أو لبعض المربين، وبقي الأمر كذلك حتى عام 1963 حيث عُقد في شيكاغو مؤتمر لبحث هذه المشكلة، وطرح فيه لأول مرة مصطلح "صعوبات تعلّم"، الذي استقبلته الأوساط التربوية والوالدية بحماس، وعلى إثره تكونت "جمعية الأطفال ذوي الصعوبات التعلمية". فما الذي يعنيه مصطلح "صعوبات التعلّم"؟
كي نفهم هذا المصطلح كلّياً علينا أن نفهم عملية التعلّم، أي كيف يتعلّم الأطفال أو لا يتعلّمون عندما تُقدّم لهم المادة التعلّمية. ولتسهيل فهم عملية التعلّم عمد علماء النفس المعرفي في نظريّتهم "معالجة المعلومات" إلى تشبيه ما يجري في الدماغ أثناء التعلّم بآلية عمل الكمبيوتر المكوّنة من المدخلات كلوحة المفاتيح والفأرة، ووحدة المعالجة المركزيّة، والمخرجات كالطابعة والشاشة. فمدخلات الإنسان هي حواسّه، ونظام المعالجة فيه مكوّن من الانتباه والإدراك والذاكرة وما وراء المعرفة، أما مخرجاته فتكون ظاهرة (لفظية، وحركية) أو غير ظاهرة (التفكير الذاتي).
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أين يكمن الخلل في عملية التعلّم لدى هؤلاء الأفراد؟ هل هو في المدخلات؟ أم في نظام المعالجة المعرفية؟ أم في المخرجات؟
يكمن الخلل لدى هؤلاء الأطفال في نظام المعالجة المعرفية، ويترتّب على هذا الخلل في المعالجة خلل في المخرجات الحركية (الكتابة) أو اللفظية (القراءة) وهو ما يظهر لنا على شكل صعوبات تعلّمية.
ونظراً لأن الذين بحثوا في موضوع الصعوبات التعلمية متخصصون من حقول معرفية مختلفة كالطب وعلم النفس والتربية والاجتماع، فقد اختلفت تعريفاتهم لصعوبات التعلم، كما اختلفوا في تحديد أسبابها، وخصائصها ونسبة انتشارها وطرق علاجها، وظهر في الأدب التربوي والنفسي عشرات التعريفات لها.
ولكن جميع هذه التعريفات أجمعت تصريحاً أو تلميحاً بأن الأفراد ذوي صعوبات التعلّم ليسوا متخلفين ذهنياً، بل على العكس من ذلك لديهم قدرات عقلية عادية أو فوق العادية، بل قد نجد بعضاً منهم موهوبين في مجالات مختلفة كالموسيقى أو الفن أو الرياضة، كما أنهم ليسوا معاقين حسياً إذ لا يختلفون عن الأفراد العاديين في قدراتهم البصرية أو السمعية، كما أنهم ليسوا مضطربين انفعالياً أو محرومين ثقافياً. وكذلك لا يعتبر المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي سبباً في ظهور هذه الصعوبات التعلمية لأنهم موجودون في جميع الطبقات الاجتماعية الاقتصادية.
وصعوبات التعلم هي مظلة يندرج تحتها صعوبات القراءة (الدسلكسيا) أو صعوبات الكتابة (الدسيغرافيا) وصعوبات الحساب (الدسكالكوليا) وصعوبات التسمية (الدسنوميا).
أ. حمادة عبد السلام
مدير وحدة التقييم والتشخيص واستشاري صعوبات تعلّم
المؤسسة البحرينية للتربية الخاصة